الياس شوفاني
216
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
توصلا إلى هدنة . وعاد العادل إلى تنظيم أمور ملكه ، وترتيب البيت الأيوبي ، الأمر الذي أثار آمالا كبيرة بين الناس . لكنه ما لبث أن عقد معاهدة مع آموري ( 1204 م ) لمدة ست سنوات ، تنظم العلاقات السياسية والتجارية بين الطرفين ، وتعيد يافا إلى ملك عكا ، وكذلك بعض الأراضي في منطقة صيدا ، مع ممر إلى الناصرة . وهذه المعاهدة ( 1204 م ) تشير بوضوح إلى تخلي الجانبين عن الفكرة الأساسية للحروب الصليبية . فهي تركز على العلاقات التجارية ، وعلى المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة . وهي تنطلق من واقع التنافس بين القوى ، سواء في الشرق أو الغرب . وأوروبا التي دب الخلاف بين أقطابها ، لم تستطع استغلال تفتت الدولة الأيوبية بعد موت صلاح الدين . والألمان الذين تصدروا عمليات التوتير والتحرش في الشرق ، على أرضية مشروع هنري السادس ، انكفأوا بعد موته . وملك عكا ، آموري قطع كل أمل في إمكان استعادة الأراضي التي فقدتها مملكة أورشليم اللاتينية ، أيام صلاح الدين ، وخصوصا بعد أن غيرت الحملة الصليبية الرابعة وجهتها إلى القسطنطينية بدلا من فلسطين . ومنذ هذه الحملة ، راح يبرز دور المدن الإيطالية ، وخصوصا فينيسيا ( جمهورية سان مارك ) ، في تقرير أهداف النشاط الأوروبي في الشرق ، وتخضعه لخدمة مصالحها واعتباراتها التجارية . وكان من نتائج الحملة الرابعة ، وإقامة مملكة لاتينية في القسطنطينية ، أن أصبحت هذه المدينة بؤرة استقطاب للفرنجة الذين كانت عيونهم على الشرق . كذلك ، وبعد احتلالها ، حازت أسواقها اهتمام المدن الإيطالية الرئيسي ، كونها ركزت أولوياتها على تطوير علاقاتها التجارية مع الشرق ، وبالتالي وراثة أسواق القسطنطينية . فعملت تلك المدن ، وفي مقدمتها فينيسيا ( البندقية ) على عقد معاهدات مع الأيوبيين في كل من مصر وسورية . ولكن ، بعد موت آموري ( 1205 م ) ، خلفه جون دو براين ، الذي كانت لا تزال تساوره أحلام استعادة القدس ، فتوجه إلى طلب المساندة من البابا إنوسنت ، فجاءه المدد من ملك هنغاريا ، الذي توجه على رأس جيش إلى عكا ( 1217 م ) ، بالتعاون مع ملك قبرص . لكن هذه المغامرة ذهبت سدى ، لأنها عمدت إلى الغارات العشوائية للتخريب والنهب في الجليل وبيسان والطابور والجولان وبانياس وتبنين والشقيف وغيرها . وفي أثناء الحملة ، أعيد تحصين قيساريا ، وبنيت قلعة عتليت ( شاتو بيليرين ) . وفجأة غادر الملك الهنغاري فلسطين عائدا إلى بلاده ، من دون تحقيق أية نتائج ذات طابع دائم . وانضمت بقايا هذه الحملة إلى المغامرة التي قام بها جون دو براين إلى مصر ( الحملة الخامسة ) ، فقد حشد هذا ما استطاع من جنود وسفن ، وما جاءه من مدد